محمد فاروق النبهان

27

المدخل إلى علوم القرآن الكريم

الفصل الثاني : الوحي والقرآن ظاهرة الوحي : القرآن كظاهرة دينية غيبية مرتبطة بالوحي ، جديرة بأن تكون في موطن الدراسة والاهتمام ، ومن حق الإنسانية في مسيرتها الطويلة أن تقف متدبرة ظاهرة الدين في الحياة البشرية ، وأن تدرس الأديان السماوية من هذا المنطلق ، وأن تتأمل في النبوة كحقيقة مدركة ثابتة ، بكل ما تحمله النبوة من مؤشرات وما تبشر به من قيم ، وما تدعو إليه من عقائد ، وما يقترن بها من معجزات . إن البشرية اليوم وقبل اليوم عكفت على دراسة مظاهر الحياة الإنسانية وتطلباتها من منطلق الرؤية العقلية المادية ، والعقل يدرك ما يقع تحت مجهره ، مما تدركه الحواس من المشاهدات ، وما تعقله وتلمس آثاره المادية ، والعقل يقف حائرا أمام الظاهرة الدينية ، بل يقف حائرا أمام الكون وعظمة الكون ، ويقف عاجزا أمام تفسيره لظاهرة الحياة ، الإنسان ، الكون ، الوجود ، الكواكب ، الحياة ، الموت ، والحياة البشرية تحكمها معايير وقوانين بعضها مدرك ومفهوم ، والبعض الآخر وهو الأهم غير مدرك ، ولا يقع تحت سيطرة العقل ، ولا يدرك بالحواس . ومن اليسير علينا أن نتحدث عن الدين ، كتعاليم وشرائع ، وأن ندرس تاريخ الأديان كوقائع مدونة أو محفوظة أو مروية ، وأن نتحدث عن حياة الأنبياء منذ ولادتهم إلى وفاتهم ، وما قاسوه من محن ومصاعب ، وما تحملوه من مشاق في أداء مهمتهم ، ولكن من الصعب علينا أن نستوعب بعقولنا حقيقة الدين كظاهرة غيبية مرتبطة بالسماء ، تحكمها قوانين غيبية ، وينفذها ملائكة يبلغون رسالة اللّه إلى الأنبياء . وفي نفس الوقت لا يمكن للعقل البشري أن ينكر حقيقة الدين ، ولا أن ينكر الغيب ، ولا أن يتجاهل الحقائق الغيبية ، ولا أن يتخطى المفاهيم الدينية ، فالدين حقيقة مدركة ، ولا تتصور البشرية بغير دين ، ولا تتصور الحياة خالية من مفاهيم